المقريزي

1075

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فلمّا ركب السّلطان إلى الميدان على عادته ، وجد نحو عشرين ألف نفس من العامّة قد صبغوا خرقا بلون أزرق ، وعملوا فيها صلبانا بيضا ، وعندا رأوا السّلطان صاحوا بصوت عال واحد : « لا دين إلّا دين الإسلام » . « نصر اللّه دين محمّد بن عبد اللّه » . « يا ملك الناصر يا سلطان الإسلام انصرنا على أهل الكفر ، ولا تنصر النصارى » . فارتجّت الدّنيا من هول أصواتهم ، وأوقع اللّه الرّعب في قلب السّلطان وقلوب الأمراء ، وسار وهو في فكر زائد حتى نزل بالميدان ، وصراخ العامّة لا يبطل . فرأى أنّ الرّأي في استعمال المداراة ، وأمر الحاجب أن يخرج وينادي بين يديه : من وجد نصرانيّا فله ماله ودمه ، فخرج ونادى بذلك ، فصاحت العامّة وصرخت : « نصرك اللّه » ، وضجّوا بالدّعاء . وكان النصارى يلبسون العمائم البيض ، فنودي في القاهرة ومصر : « من وجد نصرانيّا بعمامة بيضاء حلّ له دمه وماله ، ومن وجد نصرانيّا راكبا حلّ له دمه وماله » . وخرج مرسوم بلبس النصارى العمامة الزّرقاء ، وألّا يركب أحد منهم فرسا ولا بغلا ، ومن ركب حمارا فليركبه مقلوبا ، ولا يدخل نصرانيّ الحمّام إلّا وفي عنقه جرس ، ولا يتزيّا أحد منهم بزيّ المسلمين . ومنع الأمراء من استخدام النصارى ، وأخرجوا من ديوان السّلطان ، وكتب لسائر الأعمال بصرف جميع المباشرين من النصارى ، وكثر إيقاع المسلمين بالنصارى حتى تركوا السّعي في الطرقات ، وأسلم منهم جماعة كثيرة « 1 » . وكان اليهود قد سكت عنهم في هذه المدّة ، فكان النصرانيّ إذا أراد أن يخرج من منزله ، يستعير عمامة صفراء من أحد من اليهود ، ويلبسها حتى يسلم من العامّة . واتّفق أنّ بعض دواوين النصارى كان له عند يهودي مبلغ أربعة آلاف درهم نقرة ، فصار إلى بيت اليهودي وهو متنكّر في الليل ليطالبه ، فأمسكه اليهودي وقال : أنا باللّه وبالمسلمين ، وصاح . فاجتمع الناس لأخذ النصراني ، ففرّ إلى داخل بيت اليهودي ، واستجار بامرأته ، وأشهد عليه بإبراء اليهودي حتى خلص منه . وعثر على طائفة من النصارى بدير الخندق يعملون النفط لإحراق الأماكن ، فقبض عليهم وسمّروا .

--> ( 1 ) انظر فيما تقدم 1020 - 1021 .